0 1 min 2 mths


بقلم


د / أحمد مهينة

وكيل أول الوزارة للبحوث والتخطيط ومتابعة الهيئات

تشهد الفترة الحالية زخم سياسي وتجاري غير مسبوق على استخدام تكنولوجيا الهيدروجين النظيف، يأتي هذا تزامناً مع الانتشار السريع لاستخدامه في عدد من الدول الكبرى، وهو ما ينبئ عن وجود حصة كبيرة من الهيدروجين في نظام الطاقة في العقود المقبلة، كما أن الحاجة الملحة عالمياً لتخفيف انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وانخفاض تكلفة إمدادات الهيدروجين من مصادر الطاقة المتجددة بشكل ملحوظ نتيجة التطور التكنولوجي في هذا المجال أدت الى نمو صناعة الهيدروجين في السنوات الأخيرة ، حيث بدأت العديد من الدول في اتخاذ إجراءات من أجل إزالة الكربون من اقتصاداتها (Carbon neutral) خاصة في قطاعي الانتاج والاستهلاك وهو ما ساعد على التركيز على تكنولوجيات الهيدروجين، والاعتماد عليه خلال السنوات الاخيرة في التطبيقات الصناعية وخاصة الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة، بالإضافة إلى وسائل النقل مثل السيارات والشاحنات والطيران وتطبيقات التدفئة.

وظهر الاهتمام باستخدام الهيدروجين كوقود للمركبات الخاصة والتجارية في أواخر 1970 بسبب أزمات أسعار النفط آنذاك وسيناريوهات الانخفاض السريع في الاحتياطات النفطية، واستغرق الوصول بسيارات خلايا الوقود إلى النطاق الفني والتجاري وقتاً طويلاً، ويرجع ذلك إلى أن ارتفاع احتياطات النفط بالإضافة إلي أن معدلات أسعاره ظلت عند مستويات معتدلة، ومن ثم قلت الضغوط على الابتكار التكنولوجي لاستخدام الهيدروجين، وخلال في الفترة من 2000 إلى 2018، زاد الطلب العالمي على الهيدروجين بنسبة 65%، ليرتفع من 70 مليون طن إلى 115 مليون طن، وُيستخدم معظم الهيدروجين من الناحية التقليدية في صناعة الكيمياويات لإنتاج الأسمدة ومعالجة المعادن وإنتاج الغذاء.

بالرغم من كون الهيدروجين العنصر الأكثر وفرة على وجه الأرض ولكنه لا يوجَد بشكل طبيعي على كوكبنا في صورة غاز منفرد، لذا فإن التحدي الأساسي أمام استخدامه وقودًا يتمثل في كيفية استخلاصه من تلك المركبات التي يوجَد بها، ويتم استخلاص الهيدروجين حالياً من المركبات الهيدروكربونية على رأسها الغاز الطبيعي والبيوجاز عبر طريقة تسمى
«إعادة التشكيل» (Steam Reforming)،

كما يُستخلَص من الماء باستخدام «التحليل الكهربائي» (Electrolysis)، وهذه الطريقة تستهلك كميات ضخمة من الطاقة الكهربائية (علما بأن الماء الذي يتم استخدامه هو ماء معالج لنزع الأملاح منه
« Demineralized water» حتى لا يؤثر على أقطاب التحليل الكهربائي وما زال هناك تجارب لاستخدام ماء البحر من خلال تطوير الأقطاب واستحداث عوامل تحفيز جديدة وكذا تطوير الأغشية المستخدمة لتنقية الأملاح) .

وينقسم تصنيف الهيدروجين طبقاً لمصدر الطاقة المستخدم في إنتاجه وذلك كالتالي:

الهيدروجين الرمادي: وهو الهيدروجين المنتج من الوقود الأحفوري.

الهيدروجين الأزرق: وهو الهيدروجين المنتج من الوقود الأحفوري مع استخدام تكنولوجيا التقاط الكربون وتخزينه
(Carbon Capture & Storage CCS).

الهيدروجين الأخضر: وهو الهيدروجين المنتج باستخدام طاقة من مصادر الطاقة المتجددة.

وعلى الرغم من أن إنتاج الهيدروجين حالياً يتم على نطاق واسع بالفعل، إلا أنه ليس نظيفًا بعد، حيث يتم إنتاج 96٪ من الهيدروجين الحالي من الوقود الأحفوري، ويرجع ذلك إلى ارتفاع تكلفة الهيدروجين الأخضر مقارنة بالهيدروجين الرمادي، ولإنتاج الهيدروجين باستخدام التحليل الكهربائي فإنه بافتراض كفاءة أعلي من 70% فسيستهلك إنتاج 1 كجم هيدروجين حوالي 48 ك.و.س، وبالتالي إذا كانت تكاليف الكهرباء 0.05 دولار أمريكي/ كيلووات ساعة، فإن تكلفة الطاقة لعملية التحليل الكهربائي وحدها هي 2.40 دولار أمريكي/كجم من الهيدروجين، كما أنه سيحتاج حوالي 9 لتر من المياه منزوعة الأملاح.

ومن المتوقع أن ينمو الهيدروجين الأخضر بسرعة في السنوات القادمة، حيث تشير العديد من المشاريع الجارية والمخطط لها باستخدام الهيدروجين الأخضر إلي أنه قابل للتطبيق من الناحية الفنية ويقترب في التنافسية الاقتصادية مع الهيدروجين الأزرق والرمادي، وذلك بسبب انخفاض تكاليف الطاقة المتجددة، بينما مازال هناك ارتفاع في تكاليف التحليل الكهربائي (Electrolysis) والخدمات اللوجستية لسلسلة التوريد

وهناك فرصة تكامل مهمة بين الهيدروجين والطاقة المتجددة، حيث يمكن للهيدروجين أن يزيد من إمكانات نمو سوق الكهرباء المتجددة بشكل كبير ويوسع نطاق الحلول المتجددة، خاصة فيما يتعلق باستخدام الهيدروجين لتخزين الطاقة، ومع تطور امكانيات التحليل الكهربائي فمن المتوقع أن تنخفض تكلفة انتاج الهيدروجين بمقدار النصف بحلول عام 2040 إلى عام 2050 كما سيتم توضيحه لاحقاً، في حين ستستمر تكاليف الطاقة المتجددة في الانخفاض أيضًا، وهو ما يساعد في الاعتماد على الهيدروجين الأخضر في العديد من التطبيقات الجديدة.

وتشير تقديرات مجلس الهيدروجين – وهو مبادرة لشركات الصناعة العالمية – إلى أنه بحلول 2030 فإن ما يقرب من 10% من السيارات المباعة في الدول الصناعية الكبرى قد تكون من المركبات الكهربائية التي تعمل بخلايا الوقود الناتجة من الهيدروجين، كما أنه في 2018، أعلنت شركة السيارات الكورية الجنوبية هيونداي وضع هدف لطاقة إنتاج قدرها 0.5 مليون سيارة من السيارات التي تعمل بخلايا الوقود لعام 2030 بحجم استثمارات وقدره 6.7 مليار دولار، كما يوجد العديد من الوسائل المتاحة اليوم والتي تساعد على إنتاج طاقة الهيدروجين وتخزينها ونقلها واستخدامها بطرق مختلفة، حيث من الممكن استخدام أي نوع من أنواع الوقود لإنتاج الهيدروجين، بما في ذلك مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية والغاز الطبيعي والفحم والنفط

وتعتبر الحاجة إلى بنية تحتية جديدة مخصصة للإمداد بالهيدروجين لبعض الدول عائق كبير امام انتشار التكنولوجيا، حيث في الغالب يتم تشغيل خطوط أنابيب مخصصة لنقله، ويجري حالياً نقل الهيدروجين عبر خطوط أنابيب الغاز القائمة وهو ما يقلل من الاحتياج الى الاستثمار في البنية التحتية الجديدة كما أنه يعتبر استخدام أمثل وطويل الأمد للبنية التحتية القائمة للغاز الطبيعي، كما يمكن نقله في شكل سائل بواسطة السفن، مثل الغاز الطبيعي المسال (LNG).

ويمكن تحويل الهيدروجين إلى كهرباء أو ميثان للاستخدام المنزلي أو الصناعي وخاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، كما يمكن تحويله إلى وقود للسيارات والشاحنات والسفن والطائرات ويمكن استخدامه في المركبات الكهربائية التي تعمل بخلايا الوقود ( FCEV ) كما يستخدم الهيدروجين في عمليات تكرير النفط وإنتاج الأسمدة.

ويعتبر الهيدروجين هو أحد الخيارات المهمة لتخزين الطاقة من مصادر الطاقة المتجددة، كما يمكن للوقود الهيدروجيني نقل الطاقة من مصادر الطاقة المتجددة لمسافات طويلة – من المناطق ذات الموارد الشمسية وطاقة الرياح الوفيرة إلى دول اخرى على بعد آلاف الكيلومترات، وهناك امكانية الى دخول الهيدروجين الى صناعات النقل والمباني وتوليد الطاقة، ومن الممكن تطوير صناعة خلايا الوقود ومعدات التزود بالوقود والمحللات الكهربائية (التي تنتج الهيدروجين من الكهرباء والماء)

وتشير التوقعات المستقبلية لتحول الطاقة حتى عام 2050 الاعتماد بشكل كبير على الطاقات المتجددة ضمن مزيج الطاقة العالمي، بالإضافة الى أنه من المتوقع أن تبلغ نسبة الهيدروجين ضمن مزيج الطلب على الطاقة حوالي 24% بالاتحاد الاوروبي عام 2050، وهو ما يعزز دور لعب الهيدروجين الأخضر دورًا موسعًا