بقلم د. محمد مصطفى الخياط
رئيس هيئة تنمية واستخدام الطاقة
الجديدة والمتجددة

تحتاج الأرض من يحميها منا نحن البشر. من ذلك الإنسان الذي جعله الله خليفته في الأرض ليعمرها.
تخيل معي سيدي القارئ اللحظة الأولي للإنسان الأول على سطح هذا الكوكب، وما كان عليه كوكب الأرض من توازن فريد، خلقه بديع السماوات والأرض. لحظة لم تتكرر، لم يكن الإنسان قد مس شيئًا مما عليها، لا قطع زهرة، ولا نبتة، ولا اصطاد طائرًا أو حيوانًا، ولا اصطاد سمكة. لحظة نورانية اتزنت فيها كل عناصر الطبيعة من نبات، وحيوان، وجماد، فوق الأرض وتحت الأرض.

ثم ها هو يأتي من بعيد، يدب الأرض بقدميه الحافيتين؛ منهكًا متعبًا، خائفًا وجائعًا، لكنه سرعان ما مد يده متوجسًا يقطف بعض الثمار ليسد بها جوعه . كان نباتيًا بامتياز، إذ لم تكن النار قد اكتشفت بعد


باكتشاف النار عرف الإنسان الأول الطهي وارتفع معدل استهلاكه من السعرات الحرارية بمقدار ثلاثة أضعاف. وبالمحاولة والخطأ، عرف الزراعة البدائية، وارتفعت معدلات استهلاكه من السعرات إلى ستة أضعاف، وهكذا دائمًا صار عهد الحضارة الإنسانية كلما تقدمت خطوة للأمام ارتفعت معدلات الاستهلاك، حتى وصلنا إلى إنسان العصر الحالي، أو ما يطلق عليه إنسان التكنولوجيا Technological Man ليصل متوسط استهلاكه من السعرات الحرارية 230 ألف سعر حراري؛ 115 ضعف ما بدأ الإنسان الأول؛ ألفي سعر حراري، وكانت النتيجة الطبيعية لمثل هذا الاستهلاك المفرط؛ اختلال التوازن البيئي

 

وبعد أن كان الإنسان الأول يخشي على نفسه من البيئة وما فيها، صارت البيئة تخشي على نفسها من الإنسان. وكان لابد من وقفة، أو مراجعة، أو تساؤل يشبه ذلك الذي أورده الأمير عبد الله الفيصل في قصيدة «يا مالكًا قلبي»، وغناه عبد الحليم حافظ؛ (قل لي إلى أين المسير

وأخذت بعض الحلول تطرح على طاولات الاجتماعات وفضاءات الحوارات والدراسات الأكاديمية والعامة، من قبيل زيادة الاعتماد على المصادر المتجددة، تحسين كفاءة استخدام الطاقة، ترشيد الطاقة، إعادة تدوير النفايات، الحياد الكربوني، وغيرها من الآليات والسياسات

وعليه ظهر سؤال جديد، ماذا نريد؟ هل نحتاج أُطر تشريعية تنظم العلاقة بين الإنسان والبيئة؟، أم آليات عملية لاستبدال نظم الاستهلاك كثيفة استهلاك الطاقة بأخري أقل استهلاكًا؟، أم يكفي تغيير سلوكياتنا ومنهجيات تعاملنا مع الطاقة، وهل، وهل،
وخلفهما ألف هل ما زالت تتردد بحثًا عن مخرج

نعم، نريد كل هذا، ونريد أيضًا قناعة داخلية بأهمية البيئة تترسخ في وجدان كل منا، حتى يمكن تحقيق ما نصبو إليه، فنحن من دون أحلام معاقين

في خضم هذا الحراك، يعقد بعد أسابيع قليلة مؤتمر الأطراف السابع والعشرين في شرم الشيخ COP27، حدث عالمي بنكهة إفريقية على أرض المحروسة. حدث يختلف عما قبله من مؤتمرات مناخ. حدث يعبر ويترجم عن مستوى صدق الإرادة العالمية تجاه قضايا المناخ

جهد كبير يبذل داخليًا وخارجيًا لإنجاح الحدث الأبرز بيئيًا من كل عام، خاصة أنه يأتي في توقيت بالغ الصعوبة؛

بعد عامين من الركود العالمي جراء جائحة كورونا، تلاهما حرب روسية-أوكرانية تركت آثارها على كل بيت في العالم. لم ينج منها أحد. تباطؤ اقتصادي يتدحرج ككرة ثلج لا يبدو أنها ستتوقف قريبًا. خفَضَت البنوك المركزية من قيمة عملاتها، فيما يمارس التضخم عادته السيئة ويرفع الأسعار

من هنا يُنتظر أن تكون قمة المناخ القادمة الأصعب في ضوء العديد من الدلالات؛ حرب طاقة بين روسيا وأوروبا ألقت بموجبها أوروبا نظارتها الخضراء وارتدت عوضًا عنها أخري فحمية اللون. من دون مواربة، تتحرك أوروبا طاقويًا طبقًا لموجبات غريزة البقاء دون اعتبار لشيء آخر. دلالات الأزمة صيفًا تُنذر بعواقب وخيمة شتاءً ومزيد من التفريط بيئيًا

اقتراع أوائل يوليو البرلمان الأوروبي لمنح مشروعات الغاز والطاقة النووية صفة طاقات مستدامة يشكك في مصداقية الخطط الأوروبية المستقبلية تجاه الحياد الكربوني. على التوازي تراجع ألمانيا خطط إغلاق مفاعلاتها النووية التي كان مقررًا لها نهاية هذا العام، كما سحبت من الأرشيف ملفات استخراج الغاز الصخري بعد إغلاقه لاعتبارات بيئية

 

ارتفع مستوي تعقيد الأزمة بأن صاحبها أزمة في تدبير طاولة طعام العالم، انصب التركيز على تأمين مرور ناقلات القمح الأوكراني، وكأن كل العلاقة بين أوكرانيا والعالم انحصرت في تأمين حفنة قمح لكل فم، وعلى أوكرانيا السلام

أيضًا، ما زال الجميع يتذكر الساعات العصيبة السابقة لإعلان بيان COP26 من جلاسجو العام الماضي، وموقف الهند ومعها الصين تجاه تأجيل التخلص من الفحم

ستؤثر كل هذه الأحداث وتبعاتها في نقاشات مؤتمر شرم الشيخ، حتى مع تولي الديموقراطيون رئاسة أمريكا، وتوقيع الرئيس جو بايدن على قرار العودة لاتفاق باريس الذي ألقاه سلفه دونالد ترامب في سلة المهملات. المناخ قضية في أمريكا أمر يخضع للمصالح أكثر منه التزام تجاه البيئة

اختبار صعب يدخله العالم مع قمة شرم الشيخ للمناخ، نأمل معه أن يعلو صوت المناخ على كل التحديات، وأن تعبر إرادة العالم عن مستوي التحديات البيئية

وعلى البيئة السلام

 

.

 

عدد المشاهدات : 91

EEHCNEWS اخبار الشركة القابضة لكهرباء مصر